أحمد بن محمد مسكويه الرازي

50

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ولكنّه يأسف بعد بضع صفحات من هذه ، لأنه لم يتلق في طفولته تربية ملائمة من هذا النوع ، بل على العكس لقد اتبع طريقا مغايرا ، طريق الفوز في هذه الدنيا ونيل ملذاتها . ويقول : « ومن لم يتفق له ذلك في مبدأ نشوئه ، ثم ابتلى بأن يربيه والداه على رواية الشعر الفاحش ، وقبول أكاذيبه واستحسان ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات ، كما يوجد في شعر أمرىء القيس والنابغة وأشباههما . . . » . نتيجة هذا البحث : هل ينبغي أن نتستنج من هذه التلميحات الذاتية أن مسكويه قد تلقى من أبيه أو بفضل أبيه ثقافة دنيوية باللغة العربية من أجل أن يجد له وظيفة في الدولة ؟ وبالتالي فإنهم أهملوا تربيته الدينية لهذا السبب ؟ ربما . مهما يكن من أمر فإنّ الشيء المؤكد هو أنه تلقى وهو صغير تربية معينة تعلمه كيفية التصرّف في بلاط الملوك . وكذلك حصل على المعلومات الضرورية « لآداب الكتّاب » أي ما ندعوه اليوم بالسكر تاريا . وقد استطاع بدءا من عام ( 340 ه ) أن يحظى برعاية الوزير المهلبي . ولم يكن يتجاوز عمره آنذاك في أقصى الأحوال العشرين عاما . ومن المعلوم أنه تلقى أخبارا ومعلومات تاريخية كثيرة في بلاط الوزراء والأمراء ، وقد جمعها فيما بعد في كتابه المعروف « تجارب الأمم » . إنّ هذا الوصول السريع جدا إلى البلاط - أي بلاط معز الدولة - يقدم لنا إضاءات كثيرة حول شبابه . وينبغي أن نعترف هنا بأنّ أباه قد مات شابا .